20100926
المحيط
تفجرت عدة مفاجآت مدهشة منذ الوهلة الأولى للنطق بحكم بطلان عقد "مدينتي" التي حصلت عليها مجموعة طلعت مصطفى العقارية العملاقة "بتراب الفلوس" على نحو لا يصدقه عقل ولا يمكن أن يحدث في أساطير اليونان أو حواديت ألف ليلة وليلة.
فبمجرد أن قالها القاضي "العقد باطل والمدينة ترد إلى أملاك الدولة" ولم يغمض جفن لمسئول ولم يستقر على مقعده على كافة المستويات، ففي الحال خرج د. احمد نظيف، رئيس الوزراء ليطمأن العائلة المالكة، مجموعة طلعت مصطفى طبعا، أن بضاعتهم سترد إليهم قبل أن يرتد إليهم الطرف على طريقة "حد الله ما بيننا وبين أموالكم"، كلوا واشربوا واعملوا كيف ما بدكم.
كما أمر بتشكيل لجنة قانونية محايدة لحل قضية مدينتي، حرصا على مصلحة المستثمرين وحاجزي الوحدات السكنية في المشروع مع الوعد برد المدينة بالكامل إلى هشام طلعت مع تسعير الأرض من جديد بما يتماشى مع الأسعار الحالية، وهو الأمر الذي رفضته المجموعة تماما.
وعلى الفور تم تكليف 4 وزراء على رأسهم وزير الإسكان د. احمد المغربي لبحث سبل التحايل على حكم القضاء ورد المدينة التي تزيد قيمتها على 250 مليار جنيه إلى رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى الذي ينتظر الكلمة الأخيرة للقضاء بعد الحكم عليه بالإعدام لاتهامه بالتحريض على قتل المطربة اللبنانية سوزان تميم في دبي قبل أكثر من عامين.
وقال الدكتور أحمد نظيف، رئيس الوزراء:" إن الحكومة ستعيد تخصيص الأرض لمجموعة "طلعت مصطفى، مضيفاً على هامش زيارته للبحيرة والغربية، أن هناك لجنة وزارية تضم مفيد شهاب وزير الشئون القانونية ويوسف بطرس غالى وزير المالية وأحمد المغربي وزير الإسكان تدرس تفاصيل توصيات اللجنة لوضعها محل التنفيذ والعرض على اجتماع مجلس الوزراء قريبا.
فيما أقام حمدي الفخرانى، صاحب دعوى بطلان العقد دعوى جديدة يطعن فيها بعدم حيادية اللجنة، التي شكلها رئيس مجلس الوزراء المصري لحل أزمة المشروع، أمام القضاء الإداري المصري، وقال أنها غير محايدة لأنها ضمت أحد الخصوم ممثلا في نائب رئيس هيئة المجتمعات العمرانية.
وتساءل الفخراني كيف توصي اللجنة بأن تسحب الهيئة الأرض من مجموعة "طلعت مصطفى" ثم تعيد البيع لها مرة أخرى، وهو ما يشير لبوادر أزمة جديدة في القضية.
وقدمت اللجنة توصياتها إلى مجلس الوزراء، ومنها التوصية بإعادة بيع أرض المشروع إلى مجموعة طلعت مصطفى العقارية بعد بطلان عقد التخصيص القديم، وقرر رئيس مجلس الوزراء تشكيل لجنة وزارية لاتخاذ إجراءات تنفيذ توصيات اللجنة.
وجاءت توصيات اللجنة بناء على مادة في القانون تتيح للحكومة بيع أراض مباشرة اذا كان ذلك يخدم المصلحة العامة.
كما أكد د. مفيد شهاب، وزير الدولة للشئون القانونية والمجالس النيابية، أن قضية "مدينتي" أثبتت الحاجة إلى تعديل تشريعي يزيل التضارب في قوانين المزايدات وقوانين خاصة منها قانون هيئة المجتمعات العمرانية، وقانون هيئة التنمية السياحية وغيرها، والتي تسمح قوانينها أن تتعاقد بالأمر المباشر.
وأكد أن هذا التناقض لابد أن يزال عن طريق نص تشريعي في إشارة إلى ضرورة حماية مثل هذه التعاقدات التي تضيع حقوق الدولة والشعب.
المدهش في الأمر أن هيئة المجتمعات العمرانية هي أول من يطعن في الحكم وترفض استقبال أية أموال من الحاجزين وكأنها متأكدة مائة بالمائة أن المدينة ستعود لعائلة طلعت مصطفى وبدون أي تسوية تحصل من ورائها الدولة على أية مكاسب حتى ولو اقتصرت على رفع نسبة المساكن المفنرض أنها ستخصص لمحدودي الدخل من 7 إلى 10 بالمائة.
وكأن المنطق الذي يحكم أداء الهيئة وجميع المسئولين في مصر هو حماية حقوق الكبار فقط دون النظر بعين الاعتبار لحقوق الدولة وأبنائها، فرغم وجود مخالفات أقل ما يقال عنها أنها مخزية من أمثلتها احتساب وزير الاسكان الأسبق محمد ابراهيم سليمان سعر المتر بـ 15 جنيها، سعر المتر حاليا 4 آلاف جنيه، وحصول المجموعة على 8 ألاف فدان إضافة إلى ألفين فدان أخرى للانتفاع بالشفعة مع إلزام الدولة بتوصيل كافة المرافق لها وكل هذا مقابل تخصيص أقل من عشر هذه المساكن لمحدودي الدخل.
وكانت المحكمة الادارية العليا بمصر قضت بتأييد حكم بطلان عقد بيع أرض مدينتي الى مجموعة طلعت مصطفي القابضة، وأيدت الحكم بأن هيئة المجتمعات العمرانية التابعة لوزارة الاسكان خالفت القانون ببيعها أرض مشروع مدينتي مباشرة الى وحدة تابعة للمجموعة دون أن تطرحها في مزاد عام، إلا أننا ولأننا في مصر بلد العجائب فلا بد أن يذهب الحق لغير أهله.